مراجعة لرواية “يوميات سراب عفان”


لم أصل إلى “يوميات سراب عفّان” عن قصد. كان اللقاء صدفة، من تلك المصادفات التي تبدو كاختبار خفيّ لقدرة الروح على التقاط ما تحتاجه في اللحظة المناسبة. كنت أمشي في معرض عمّان الدولي للكتاب بلا هدف واضح، إلى أن لفتني العنوان واسم جبرا بطبيعة الحال. فعلاتقي معه بدأت أثناء دراستي الجامعية: التقيته أول مرة في صيادون في شارع ضيق ومن ثم السفينة، البحث عن وليد مسعود بعد ذلك. كان صوته جزءًا من تلك المرحلة التي بدأتُ أتعلم فيها لغة الأسئلة، وأتلمّس حدود الهوية، وأصغي لأول مرة لذلك الصوت الذي يقول إن الإنسان ليس واحدًا، بل طبقات لا نهاية لها. لكن هذه الرواية وصلَتني في توقيتٍ مختلف؛ توقيت كنت أبحث فيه عن شخصية نسائية عربية أجد فيها تفسيري الخاص لارتباك الذات، أو اعترافًا يصعب قوله بصوت مرتفع.

في الصفحات الأولى شعرت أنّني أقف أمام مرآة غير مطمئنة. مرآة لا تعكس شكلاً، بل حالة. حالة امرأة تعيش في مخيلتها أكثر مما تعيش في العالم. سراب، بنصفها العاقل ونصفها الآخر المجنون، ليست شخصية فقط، بل مساحة مفتوحة للتيه، للحيرة، وللأسئلة التي نؤجل مواجهتها بشتى الطرق. شيء في حضورها جعلني أتباطأ في القراءة، كأنّ النص يطلب أن يُقرأ ببطء، لا لأن لغته معقّدة، بل لأنه يلامس أماكن ليست محمية بما يكفي.

هذه ليست رواية بالمعنى التقليدي. هي “رواية عن الرواية” كما وصفتها الباحثة والمترجمة “أماني أبو رحمة” لا يبحث القارئ فيها عن حبكة أو ذروة أو نهاية مرتّبة. إنها دفتر يوميات يفتح الباب على حياة امرأة تحاول أن تفهم نفسها عبر تفكيكها، لا عبر تجميلها. امرأة تتأرجح بين العقل والجنون، بين الواقع والحلم، بين البقاء والاختفاء. امرأة تشبه الكثير من النساء اللواتي يحملن عالمًا كاملًا داخل رؤوسهن، ويشعرن رغم ذلك بأنهن وحدهن.

وجدتني، بينما أقرأ، أراقب ارتباكي أكثر مما أراقب السرد. تشابه مقلق مع سراب، وتشابه آخر مع رندة، ذلك الصوت الموازي الذي يذكّر بالجزء الذي نكتمه ونخاف الاعتراف به. هناك لحظات شعرت فيها أن جبرا يكتب بما يشبه التنقيب الجراحي داخل المناطق التي نحاول إغلاقها بالصمت والانشغال. لحظات توقّفت عندها، كأنّني ألتقط أنفاسي بعد غوص طويل تحت ماء كثيف.

ما جعل النص قاسيًا وجميلاً في آن، أنه لم يقدّم عزاءً ولا حلولاً. لم يقل إن الأمور ستصبح أفضل. لم يعِد بأي شيء. اكتفى بأن يضع القارئ أمام قدره الداخلي بلا مجاملة. وربما لهذا السبب، تركتني الرواية في توهاني، لكنني شعرت أن هذا التوهان حقيقي ولا يجوز الهروب منه كثيرًا. فهمتُ بعد القراءة أنّ التناقض ليس عيبًا، وأن الشجاعة ليست في الانتصار، بل في القدرة على الاستمرار رغم الخسارات الصغيرة والكبيرة.

بقي معي هذا الاقتباس، وسيبقى طويلاً:
“بين أحزاننا ومخاوفنا، بين مآسينا اليوميّة وتوقعاتنا الفاجعة.. أنا كمن يبحث عن خيط من لحن، من عزف مجهول يصالحني مع هذه الأحزان والفواجع، ولكن كيف للإنسان أن يتصالح مع الألم إلّا بقهره عن طريق فعلٍ ما؟ إنني أبحث عمّا يشبه تلك الموسيقى الصاخبة بأنغامها الهائلة التي تحقق الانقذاف إلى حيث يعلم المرء أنه يحمل عبء العالم على ظهره ولكنّه في الوقت نفسه كما بعجزه يحلّق في الفضاء خفيفاً دونما خطّة أو غاية، ولتذهب الخطط والنهايات كلها إلى الجحيم.”
جملة تختصر ما يمنحه هذا الكتاب لمن يقرأه بقلب مفتوح: النجاة لا تحدث بالانتظار، بل بالفعل. ولو كان صغيرًا. وأن حمل العالم على الظهر لا يمنع المرء من التحليق لحظات قصيرة، حتى بلا خطة أو غاية.

هذا الكتاب ليس للجميع. إنه للذين يعيشون صراع الهوية. للذين يشعرون بالمنفى الداخلي. للنساء اللواتي يحملن أكثر مما يبدو، ويقفن في الظل حتى حين يصفّق الآخرون لصلابتهن. للذين يمشون كثيرًا ولا يصلون إلى مكان، لكنهم يواصلون المشي لأن التوقف أصعب.

اسطنبول-تشرين الثاني ٢٠٢٥


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *