اقتنيت هذا الكتاب عام 2014 من معرض نون. ومن المصادفات الجميلة أنني حصلت على نسخة موقّعة من الكاتب، ومع ذلك لا أذكر اليوم ما الذي دفعني أصلًا إلى اقتنائه -اهتمامتي كانت محصورة بقراءة الأدب حينها-.
مؤخرًا استمعت إلى حلقة بودكاست بعنوان **”كيف يفتح لنا القرآن أبوابه“** والحوار حرك شيء ما في داخلي. علاقتي بالقرآن بدأت منذ الطفولة، فقد حفظت أجزاء كثيرة منه، وقرأت آياته مرارًا، وتأثرت بجلاله وانبهرت بالقصص الواردة فيه، لكنني، إن كنت صادقة مع نفسي، لا أستطيع أن أقول إنني فعّلته في حياتي يومًا بوصفه منهجًا حيًا للتفكير والنظر والعيش. كنت أقرأه، أهابه، وأشعر بعظمته، وفي الوقت نفسه كنت أشعر بمسافة بيني وبينه، أو ربما كنت أنا التي أقف بعيدًا. أنا شخص يطرح الأسئلة بكثرة عقلي لم يهدأ يوما ولكني أبحث دائما عن الأجوبة في أماكن أخرى ومراجع أخرى.
ربما لأننا تعلمنا، في كثير من الأحيان، أن نقترب من القرآن بهالة كثيفة من التقديس، فهو “شيء مقدس” نلمسه بحذر وفي مواسم معينة ومناسبات غير سارة نمتلك عشرات النسخ منه في المنزل موضوعة بعناية في مكان عال. لم أراه يومًا كخطاب يحاورني ويجيب عن تساؤلاتي. لذلك وفي كل مرة يحضرني سؤال ما سأبحث في مكان بعيد جدا جدا عنه. وهنا تحضر عبارة علي عزت بيجوفيتش الدقيقة:
“فقد القرآن سلطانه كقانون ومنهج حياة، واكتسب قداسته كشيء.” عبارة تختصر أزمة كاملة: يعني كيف يمكن للنص الأكثر حضورًا في وعينا الجمعي أن يغيب، في الوقت نفسه، عن حركتنا الفعلية في الحياة؟
ما شدّني في هذا الكتاب أنه طرح فكرة عدم مع القرآن كموضوع منجز ومغلق، وإنما كأفق مفتوح يوقظ في القارئ أسئلة لا تنتهي. إنه مقدمة جيدة ومحرّضة، لا يقدم أجوبة جاهزة، ويدفع العقل إلى التفكير في موضوعية القرآن، وفي طبيعة اللغة التي نزل بها، وفي التوتر العجيب بين كونه نزل بالعربية، وفي سياق تاريخي محدد، وبين كونه صالحًا لكل زمان ومكان. وهذه ليست مسألة بسيطة كما تبدو، وإنما من أكثر المسائل عمقًا وإرباكًا في قراءة القرآن.
فالقرآن ليس نصًا يُستنفد بالقراءة المألوفة، ولا يُختصر في الشروح المتداولة مهما بلغت قيمتها. هناك دائمًا شيء فائض فيه، شيء يتجاوز القوالب الجاهزة، ويطلب من القارئ أن يحضر بكامل تجربته، وخوفه، وحيرته، ووعيه، وحتى عجزه. وهذا ما جعلني أقرر، بعد قراءة هذا الكتاب، أن أبدأ محاولة أخرى مع القرآن قراءة تخصني أنا: قراءة مشتبكة، حيّة، لا تكتفي بالتلاوة ولا تقف عند حدود التلقي السلبي، قراءة تتدبر، وتتفاعل، وتسأل، وتبحث عن الدليل، وتغامر بالاقتراب دون خوف، ودون ذلك الشعور الثقيل بأن السؤال في حضرة النص خطيئة.
أريد أن أقرأ القرآن كخطاب يدخل في نفسي الحائرة ويعيد ترتيبها من الداخل. أريد أن أقرأه قراءة تستعيد حقي في الدهشة، وفي التفكير، وفي المجاهدة الفردية أيضًا. فالقرآن، كما يشير الكتاب، “نص موضوعي يحمل معنى وحقيقة، غير أن هذه الحقيقة شديدة الاتساع، إلى الحد الذي يجعل النموذج القرآني أشبه بنموذج ذي نماذج” قابلًا للتجدد، وقادرًا على ملامسة تجارب البشر المختلفة دون أن يفقد جوهره. وهذا الاتساع لا يُدرك حقًا إلا حين تُبعث التجربة الفردية من جديد، وحين يصبح القارئ شريكًا في التفاعل، لا مجرد متلقٍ خائف من الاقتراب.
هذا ليس كتابًا يشرح القرآن بقدر ما يدفعك إلى إعادة التفكير في الطريقة التي تقترب بها منه. وربما كانت هذه هي قيمته الأساسية: أنه لا يضع بينك وبين النص مزيدًا من الجدران، وإنما يذكّرك بأن أبواب القرآن لا تُفتح بالحفظ وحده، ولا بالتعظيم المجرّد، وإنما أيضًا بالأسئلة الصادقة، وبالشجاعة، وبالرغبة في أن يتحول النص من شيء مقدس إلى معنى يعيش فيك.
الكتاب متوفر في مكتبة شومان