البارحة فقد آدم، ابن أختي، عمّه الأصغر. كان في الرابعة والعشرين فقط.
استيقظ من نومه فجأة ينادي أمه: «يما قلبي بدق بسرعة، مش قادر أتنفس». وبعد دقائق مات.
منذ أن سمعت الخبر وأنا أسأل كيف يكون الإنسان موجودًا فعلًا، له صوت وملابس ورسائل وأمنيات، ثم بعد قليل يصبح الكلام كله عنه بصيغة الماضي.
نسمع قصصًا كهذه كثيرًا. فلان نام ولم يستيقظ، فلان خرج من البيت ولم يعد، فلان كان بخير ثم مات فجأة. ومع ذلك لا يصبح الأمر عاديًا. الذي يجعل الموت الشيء الأكثر غرابة على الإطلاق أننا نعرفه حق المعرفة لكننا لا نصدقه إلا عندما يحصل لنا معتقدين دائمًا بأنه شيء يصيب الآخرين.
نشك في كل شيء تقريبًا. في حب الناس لنا، في اختياراتنا، في العمل الذي نفعله، وحتى في الأشياء التي نريدها؛ فقد نصل إليها ثم نكتشف أنها لم تعد تعنينا كما ظننا. لكننا لا نشك في الموت.
نعرف أننا سنموت، وأن الذين نحبهم سيموتون، ثم نتفاجأ كل مرة.
أول من خطر لي كان آدم، فهو معتاد أن ينزل ويلعب مع عمّه أنس كل يوم تقريبًا. عمو موجود. يناديه فيجيبه. ينزل إليه فيجده. شيء عادي جدًا، من الأشياء التي لا أعتقد بأن آدم يفكر أصلًا في احتمال اختفائها.
إلا أن أنس مات.
خفت كثيرًا على آدم. وعلى قلبه الصغير، وعلى ما مواجهته الأولى مع الحزن والموت، وعلى «صحته النفسية» أيضًا.
بدأت أفكر: كيف علينا إخباره؟ كيف نشرح له؟ متى سيلحظ غيابه؟
لكن آدم عندما رأى جدته تبكي ولدها وتقول بأنه مات قال لها: «جدة، ما تعيطي، مهو رح يصحى يوم القيامة.» وانتهى الأمر عنده، -في تلك اللحظة على الأقل-.
هو الذي كان يطمئنها، لم يسأل لماذا مات، ولا كيف. ولم يدفع أحدًا للكذب عليه بأن يقول له إن عمو سافر، أو راح عند صحابه.كان عنده جواب يكفيه: عمو مات، وسيصحو يوم القيامة.
ومنذ البارحة وهذه الجملة عالقة في رأسي.
ليس لأن آدم يفهم الموت أكثر منا، ولا لأن الإيمان يجعل الفقد سهلًا -قد يجعله أقل صعوبة- نعم. وأعلم كذلك بأن آدم سيشتاق لعمه، وربما بعد أيام عندما ينزل لبيت الجدة سيتذكر، وربما ستغزو الأسئلة رأسه لاحقًا.
لكنني توقفت عند هذه البساطة والثقة لدى هذا الطفل الصغير. فأتذكر أنني كنت أصدق أشياء كهذه بسهولة أيضًا لم أكن أعرف كيف. ولم يكن يزعجني أنني لا أعرف.
لا أذكر متى صار كل جواب يحتاج عندي إلى سؤال آخر، ومتى صرت أفتش وراء الأشياء بدل أن أترك بعضها كما هو. حتى الأحلام تغيّرت. صار الحساب يأتي قبلها: هل يمكن؟ ما الاحتمال؟ ماذا لو لم يحدث؟ وماذا سأخسر ع الطريق؟
لا أظن أن هذه الأشياء ضاعت مني في يوم واحد. ربما نقصت تدريجيًا، أثناء انشغالي بأشياء أخرى، تبدو لي الآن أقل أهمية بكثير. ثم نسمّي هذا التحول “نضجًا”.
إلى أن يقول طفل لجدته جملة عادية جدًا، فتنتبه أن أشياء مثل الإيمان والتسليم كانت تسكنك يومًا، ولكنك لا تعرف تمامًا متى غادرتك.