فستك: سآخذ حقّي من الحياة عنوةً.



اندفعت  فستك صوب بيتنا في اسطنبول دون أن تضل الطريق، رغم غيابنا الذي امتد  لشهرين كاملين،  أخذت تتمطى وتدور حول عبدالله إلى أن يعثر على مفتاح البيت (طبعا كنت قد تنبأت بهذا المشهد قبل وصولنا، فطلبت منه أن يضعه في مكان يسهل العثور عليه ولكن الله المستعان) وما أن فُتح الباب حتى اقتحمت البيت  وتكنكنت في مكانها المعتاد، بعد ساعات استشاطت فيها غضبًا داخل الحقيبة التي باتت الآن مليئة بالثقوب. فستك لا تريد إلا شيء واحد من هذا العالم: الروتين.

كنت قد توجست من اصطحابها  معنا إلى عمان، فهي لم تغادر المنزل أبدًا،ولا تعرف من المخلوقات إلا أنا وعبداللله والنبتتان الموجودتان في البيت. فالسفر يعني أنها ستختبر أولًا مطار اسطنبول – الذي أخشاه أنا شخصيًا- وستنتقل من بيتنا الصغير الذي نتخبط فيه ثلاثتنا معًا، إلى بيت والدي الكبير الذي تحيط فيه الحدائق وتسكنه “يافا” قطتي الأخرى العمانية الشوارعية.

اللقاء الأول بين يافا وفستك

تفاجأت حينها من تأقلمها السريع. احتاجت فستك إلى أسبوع واحد فقط، حفظت فيه مداخل ومخارج البيت، شمت غرفه جميعها، وتركت أثرها فيها، ووجدت طريقة ما لتنجو فيها من تهديدا يافا التي ظلت ترهبها طوال الشهرين. لم تمنعها سادية يافا من ملاحقة فضولها واستكشاف المكان، صارت تقضي حاجتها في التراب، وتجوب الغرف بثقة مستحيلة  حتى انتهى بها المطاف إلى الاستيلاء على صحن المياه الخاص بيافا!



فرضت فستك  بحضورها البهي حبها على جميع ساكني البيت، وأحبت أمى كثيرًا، أما يافا فكان ردها على ذلك بأنها ازدادت شراسةً، وامتنعت عن تناول طعامها، وراحت تغير على أطعمتنا جميعًا: الملوخية والطحال وجبنة الفيتا وزيت الزيتون. بدا لي أنها تغار.

قبيل عودتنا إلى إسطنبول، وجدتني أهلع على فستك مجددًا. كيف سأشرح لها أنها ستغادر «حياة الأدغال» وتعود إلى البيت الاسطنبولي النمنوم؟  كنتُ قد بدأت أطمئنّ إلى حياتها في عمّان، وصرتُ أخشى عليها مغادرتها. الطريف أن ما خفتُ عليها منه قبل شهرين أصبح الآن ما أخاف عليها فقدانه.

أفكّر في ذلك وهي على الكنبة أمامي الآن، تطمر رأسها، وقد استأنفت هدوءها المعتاد. كنتُ واثقةً من حاجتها إلى الروتين، وربما أغراني هذا اليقين بأن أتوقّع عنها كل شيء. عرفتُ عاداتها في بيتنا الصغير، ثم حملتُ هذه المعرفة معي إلى بيت آخر، كأنها تكفي لتقدير ما تستطيع فستك تدبّره هناك.

لا أريد أن أبالغ الآن في الاتجاه المعاكس؛ فالحقيبة المثقوبة ما زالت أمامي، ويافا لم تدع إقامتها تمرّ بسلام. لكنني رأيتها، وسط ذلك كله، تستكشف وتراوغ وتستولي على صحن ماء، ثم تألف المكان الذي أقلقني اتّساعه. أعرف عنها هذه الأشياء الآن. وحين أراها متكنكنةً على الكنبة، أتردّد قليلًا قبل أن أحسب هذا الهدوء كلّ ما لديها.

فستك في اسطنبول


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *